مقالات وتحليلات

حدود الارتباط بين الإرهاب والاستحقاقات السياسية في مصر

839

تزامن مع بدء عملية تعديل دستور 2014 ظهور موجة من الأحداث الإرهابية، شملت محاولة تنفيذ عملية إرهابية بمحيط مسجد الاستقامة بميدان الجيزة في 15 فبراير 2019، والتي نجحت وزارة الداخلية في إجهاضها. وفي اليوم التالي مباشرة (16 فبراير) تعرض أحد الأكمنة الأمنية في شمال سيناء لهجوم إرهابي تبناه تنظيم “داعش”، نتج عنه استشهاد 15 فردًا. تبع ذلك قيام إرهابي في 19 فبراير بتفجير نفسه في منطقة الدرب الأحمر أثناء ملاحقته من قبل قوات الأمن، ما أسفر عن مقتل الإرهابي واستشهاد 2 من رجال الأمن، وإصابة 3 آخرين.

هذه العمليات الإرهابية تطرح تساؤلًا حول العلاقة بينها وبين الاستحقاقات السياسية المهمة في مصر أو في مراحلها التمهيدية، وماهية الدوافع التي تقف وراء مثل هذه العمليات.

الإرهاب والاستحقاقات السياسية والانتخابية

لم يكن هجوم شمال سيناء، في 16 فبراير الماضي، وما تبعه من تفجير انتحاري في منطقة الدرب الأحمر، تطورًا استثنائيًّا في مسار الارتباط بين العمليات الإرهابية والاستحقاقات السياسية في مصر. فبعد ثورة 30 يونيو 2013، عمدت التنظيمات الإرهابية إلى القيام بعمليات إرهابية قبيل الاستحقاقات السياسية والانتخابية المهمة في مصر، أو أثناء المراحل التمهيدية السابقة عليها.

ونُشير فيما يلي إلى أبرز العمليات الإرهابية التي ارتبطت بأهم الاستحاقات السياسية والانتخابية في مصر خلال الفترة (2014- 2018).

1- مرحلة كتابة دستور 2014: شهدت المراحل التمهيدية لإقرار “دستور 2014” العديد من العمليات الإرهابية، إذ تزامن مع تشكيل “لجنة الخمسين” في الأول من سبتمبر 2013، محاولة اغتيال وزير الداخلية آنذاك اللواء محمد إبراهيم في 5 سبتمبر 2013. ومع استمرار عمل اللجنة، تم استهداف مبنى المخابرات الحربية في الإسماعيلية في 19 أكتوبر 2013، ما أسفر عن إصابة 6 أشخاص. كذلك تم استهداف كنيسة العذراء بالوراق في 20 أكتوبر 2013، ما نتج عنه استشهاد 4 أشخاص وإصابة 18 آخرين.

ومع اقتراب تنظيم الاستفتاء على الدستور، ركزت العمليات الإرهابية على استهداف قوات الأمن، وكان من أبرز هذه العمليات استهداف مقر مديرية الأمن في مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية في 24 ديسمبر 2013، وهو ما أسفر عن استشهاد 14 من قوات الأمن، فضلًا عن إصابة أكثر من 130 آخرين.

2- الانتخابات الرئاسية 2014: بالتوازي مع انطلاق هذه الانتخابات، التي عُقدت في شهر مايو 2014، شهدت محافظتا القاهرة وجنوب سيناء في 2 مايو 2014 ثلاث هجمات متزامنة، إحداها في القاهرة، واثنتان بجنوب سيناء، نتج عنها استشهاد 4 أشخاص، بينهم 2 من رجال الشرطة، بالإضافة إلى إصابة 9 آخرين.

3- انتخابات مجلس الشعب 2015: أثناء إجراء هذه الانتخابات، التي عقدت بجولتيها خلال الفترة (أكتوبر – ديسمبر 2015)، تم استهداف فندق إقامة القضاة المشرفين على الانتخابات بالعريش في 24 نوفمبر، ما أسفر عن استشهاد قاضٍ بمجلس الدولة، ووكيل نيابة، و3 مجندين من الشرطة، وإصابة آخرين. 

4- انتخابات الرئاسة 2018: بالتزامن مع انطلاق هذه الانتخابات، بث تنظيم “داعش” في فبراير 2018، فيديو بعنوان “حماة الشريعة”، حذر فيه الشعب المصري من المشاركة في الانتخابات. كذلك نشر تنظيم “القاعدة” فيديو تحدث فيه زعيم التنظيم “أيمن الظواهري” للمصريين، وحرضهم على عدم المشاركة في الانتخابات الرئاسية. وقبل يومين من بدء التصويت داخل البلاد، استشهد شرطيان في 24 مارس 2018 عقب انفجار قنبلة استهدفت مدير أمن محافظة الإسكندرية.

دوافع متعددة

محاولة التنظيمات الإرهابية تكثيف عملياتها قبل وأثناء الاستحقاقات السياسية والانتخابية في مصر يمكن تفسيره في ضوء مجموعة من الدوافع:

الدافع الأول: وهو عامل أيديولوجي، حيث تنظر بعض التنظيمات الإرهابية إلى هذه الاستحقاقات باعتبارها تخالف مبدأ “الحاكمية” في الشريعة الإسلامية. ويشير مبدأ “الحاكمية” -في قناعة هذه التنظيمات- إلى أن الحكم في جميع الأمور الدنيوية هو لله وحده، وأن البشر لا يملكون إلا الحكم بما أنزل الله في كل شيء، وأن من يخرج عن ذلك يُعد “مرتدًّا”. ويقع في جوهر الحاكمية عملية التشريع داخل البرلمان التي يجب ألا تكون للبشر. وللوصول إلى “الحاكمية” -وفقًا لهذه التنظيمات أيضًا- لا بد من الجهاد لتصبح الألوهية لله وحده في الأرض، أي التوحيد بالله وحده. ولكي يكون التوحيد حقًّا، يجب الثورة على الأنظمة التي يضعها البشر، أي الثورة على الأوضاع القائمة على اغتصاب حق الله في تنظيم حياة البشر، وفرض الإيمان بالنظام الإسلامي الشامل بكل تفاصيل الحياة دون تبعيض (أي أن يكون نظامًا مطلقًا). بهذا المعنى، فإن المشاركة في الانتخابات -ترشيحًا وتصويتًا- تصبح شركًا بالله، لأنها تُنافي تفسيرهم لمبدأ “الحاكمية”.

هذا الدافع هو المحرك الرئيسي لعمليات تنظيم أنصار بيت المقدس. وجدير بالذكر أن التنظيم كان قد أعلن مسئوليته عن معظم العمليات الإرهابية أثناء وقبيل الاستحقاقات السياسية.

الدافع الثاني: يتعلق بالسعي إلى إفشال العملية السياسية، وتعطيل عملية التحول الديمقراطي طالما أنها ليست بقيادة هؤلاء “الإسلاميين”. ويصبح الهدف النهائي هنا هو السعي إلى تقليل معدل مشاركة المواطنين في كافة الاستحقاقات السياسية والانتخابية عن طريق التأثير في المناخ الأمني الذي تُجرَى فيه هذه الاستحقاقات بشكل يؤثر في استعداد الناخبين للمشاركة في هذه الاستحقاقات، مما يؤثر في المجمل على شرعية الاستحقاق من جهة، وشرعية النظام من جهة أخرى، من خلال خلق مناخٍ من عدم الاستقرار وتصدير صورة مغلوطة عن قدرة الدولة المصرية على توفير وظيفة الأمن وحماية مواطنيها.

وينطبق هذا الدافع بشكل خاص على جماعة الإخوان المسلمين، والتنظيمات الإرهابية التابعة لها، مثل تنظيم “حسم” الذي استهدف مديرية أمن محافظة الإسكندرية قبيل الانتخابات الرئاسية عام 2018.

الدافع الثالث: ويتمثل في السعي إلى تأكيد الوجود والقدرة على تنفيذ المزيد من العمليات، خاصة بالتزامن مع الاستحقاقات التي تتسم بدرجة ملحوظة من التعزيزات الأمنية. وتهدف التنظيمات الإرهابية في هذه الحالة إلى محاولة تأكيد قدرتها على الحركة، واستغلال الاستحقاقات السياسية والانتخابية الرئيسية لتحقيق أعلى مردود إعلامي، حيث يكون من المتوقع تركيز وسائل الإعلام على هذه الاستحقاقات والأحداث الإرهابية المرتبطة بها.

وينطبق هذا الدافع على جميع التنظيمات الإرهابية تقريبًا بمختلف توجهاتها.

مجمل القول، إن الدولة المصرية نجحت عبر استراتيجية ناجعة متعددة الأبعاد في تحجيم نشاط التنظيمات الإرهابية، إلا أنه يظل -من المرجّح- استمرار محاولات التنظيمات الإرهابية تنفيذ بعض العمليات بالتزامن مع عملية تعديل الدستور بشكل عام، وقبل إجراء الاستفتاء بشكل خاص. ورغم تزامن إجراء التعديلات الدستورية والاستفتاء مع شهور دينية لها قدسيتها لدى المسلمين (رجب وشعبان)، إلا أن هذا المناخ قد لا يؤثر على قرار هذه التنظيمات محاولة تنفيذ بعض العمليات، وذلك بالنظر إلى قيام هذه التنظيمات بتنفيذ بعض العمليات خلال شهر رمضان نفسه.