مقالات وتحليلات

هل يمكن ضمان تمثيلٍ ملائمٍ للمرأة بدون “كوتة”؟ ماذا يقول تاريخ الحياة البرلمانية في مصر؟


استهدفت التعديلات المقترحة على دستور 2014 تحقيق نوعٍ من التمييز الإيجابي لصالح المرأة، إذ تضمن التعديل المقترح على المادة 102 زيادة نسبة التمثيل البرلماني للمرأة إلى 25% على الأقل من مقاعد مجلس النواب. ورغم أن هذا التمييز الإيجابي يستهدف تأكيد وتوسيع دور المرأة في الحياة السياسية في مصر؛ إلا أنه حظي بقدرٍ من الجدل في إطار النقاش الدائر حول التعديلات الدستورية المقترحة بشكل عام.

ويحاول هذا التقرير الوقوف على الدوافع الأساسية التي تقف وراء هذا التعديل، والانحياز لآلية “الكوتة” أو “التمييز الإيجابي” في التعامل مع قضية تمثيل المرأة، من خلال قراءةٍ لتطور حالة التمثيل السياسي للمرأة داخل المجالس النيابية المصرية.

تمثيل المرأة.. هبوطٌ وصعودٌ

ظلت نسبة المرأة في المجالس النيابية المصرية محدودةً خلال فترتي الخمسينيات والستينيات حتى عام 1979 الذي شهد تعديل القانون 38 لسنة 1972 بالقانون رقم 21 لسنة 1979، الذي نص على تخصيص ثلاثين مقعدًا للنساء كحدٍّ أدنى، بواقع مقعدٍ على الأقل لكل محافظة. ولم يسمح هذا القانون للرجال بالتنافس على هذه المقاعد في الوقت الذي سمح فيه للنساء بالتنافس مع الرجال على باقي المقاعد الأخرى. وقد نتج عن ذلك ترشح 200 في الانتخابات. وقد ساعد هذا القانون على رفع نسبة تمثيل المرأة داخل البرلمان إلى 35 سيدة، بنسبة 8% من إجمالي المقاعد. وعلى الرغم من ضعف هذه النسبة؛ إلا أنها كانت بمثابة اللبنة الأولى للتأكيد على أهمية دور المرأة المصرية في الحياة السياسية، وأهمية توفير الضمانات اللازمة لتوسيع حجم تمثيلها البرلماني.

وفي انتخابات عام 1984، حافظت المرأة على ما حققته من إنجاز بحصولها على 36 مقعدًا. ويُعزَى ذلك إلى نظام الانتخاب حينها الذي اعتمد نظام القوائم الحزبية النسبية. لكن عام 1986 شهد تطورًا مهمًّا في هذا الإطار، تمثل في إلغاء نظام “الكوتة” بعد الحكم بعدم دستوريته، ما أدى إلى تراجع نسبة تمثيل المرأة في الانتخابات البرلمانية عام 1987 إلى 18 مقعدًا فقط (14 بالانتخاب + 4 بالتعيين، بنسبة إجمالية 3.9% من إجمالي المقاعد)، بسبب استمرار إلغاء نظام الكوتة. وظل التراجع مستمرًّا في حجم تمثيل المرأة داخل البرلمان حتى وصل إلى أربعة مقاعد فقط في برلمان عام 2005.

وإزاء القيود التي حالت دون تمثيلٍ ملائمٍ للمرأة، لجأ رئيس الجمهورية إلى تعيين عددٍ من السيدات ضمن المقاعد العشرة المخصصة للتعيين بواسطة الرئيس.

وفي محاولةٍ لمعالجة هذا القصور، برزت ضرورةٌ مُلحّةٌ لإعادة العمل بنظام الكوتة بمقتضى القانون 149 لسنة 2009، الذي ساهم مرة أخرى في تمثيل أوسع نسبيًّا للمرأة من خلال تخصيص 64 مقعدًا بالبرلمان المصري للمرأة، حيث تم استحداث 32 دائرة انتخابية تنافست فيها النساء فقط، وذلك بصفة مؤقتة لمدة فصلين تشريعين. وتم اعتبار كل محافظة مصرية دائرة انتخابية، حيث تم انتخاب مرشحتين عن كل دائرة، وتُرِك للنساء حرية الترشح في باقي الدوائر البالغ عددها 222 دائرة، وذلك للتنافس على الـ444 مقعدًا عامًّا لمجلس الشعب. وقد نجح تطبيق نظام “الكوتة” الجديد في ضمان نجاح 62 نائبة بانتخابات مجلس الشعب 2010 من أصل المقاعد الـ64 المخصصة للمرأة.

وبعد قيام ثورة 25 يناير 2011 تم إلغاء نظام الكوتة السابق مرة أخرى، والعودة إلى النظام الانتخابي الفردي، ما أدى إلى تراجع نسبة تمثيل المرأة إلى 1,7% من إجمالي مقاعد البرلمان المصري في انتخابات سنة 2012، لتصبح أقل من نسبة المرأة في مجلس شعب سنة 1975.

ولم يستمرّ الوضع على هذا النحو، إذ شهدت مصر بعد ثورة 30 يونيو 2013 تقدمًا في مجال تمكين المرأة سياسيًّا مع صدور دستور عام 2014 الذي ضمن لها تمثيلًا برلمانيًّا أكبر. واستطاعت، من ثم، أن تُحرز انتصارًا واسعًا في انتخابات برلمان 2015، تمثل في حصولها على 56 مقعدًا عبر القوائم الأربع المتنافسة، و17 مقعدًا عبر النظام الفردي، بالإضافة إلى 14 سيدة أخرى تم تعيينها بواسطة رئيس الجمهورية، بموجب الدستور الذي ألزمه بأن يكون نصف المعينين من النساء.

وهكذا، يتضح من العرض السابق حالة المد والجزر التي شهدتها عملية تمثيل المرأة داخل البرلمان المصري، لعوامل عديدة ثقافية واجتماعية، بجانب تأثير الأنظمة الانتخابية. كما يتضح أيضًا الدور المهم الذي لعبه نظام “الكوتة” في ضمان تمثيل ملائم للمرأة في بعض الفترات.

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة; اسم الملف هو y3MyCGDmx0XVUA61Te25tH2VkIW3dcVIfRhC-KIB4EKVOuK8-iyXaI_q1msJ5Z7YOvnybTopmd59m1WVTiMALd9WXEZjG_EmQGFNW0YXhmBorcYzcmDhXFeQmT-m6cOIRNyX4llBKNp0_b6d-A

الجدل حول نظام الكوتة

رغم الدور المهم الذي لعبه نظام “الكوتة” في ضمان تمثيل ملائم للمرأة في بعض الفترات، لكن لا يزال هناك جدل سياسي حول هذا النظام:

الاتجاه الرافض

يرى البعض أن اعتماد كوتة المرأة يُعد نوعًا من التمييز يتنافى مع قواعد المساواة بين المواطنين، وقد يؤسس لمطالبة قطاعات أو فئات اجتماعية أخرى بتمييز مماثل. أضف إلى ذلك، فإن نظام الكوتة (وفقًا لأنصار هذا الاتجاه) يُعد بمثابة إعطاء حق غير مشروع من الدولة لفئة محددة، وخلق انطباع بأن المرأة لا تستطيع بمفردها الوصول إلى البرلمان ومواقع صنع القرار اعتمادًا على قدراتها الذاتية، ما يعني أنه لا سبيل إلى تمثيل ملائم لها إلا عبر نصوص دستورية وقانونية.

الاتجاه المؤيد

يرى أنصار هذا الاتجاه أن نظام الكوتة هو الوسيلة الأمثل للتغلب على فجوة التمثيل بين الجنسين، وأداة سريعة وفعالة للتعامل مع مشكلة التمثيل المحدود للنساء في البرلمان، وبالتالي فهو الخيار الوحيد لتحسين فرص وصول النساء لتمثيل مناسب على المديين القريب والمتوسط.

كذلك، تساعد آلية الكوتة -وفقًا لهؤلاء- في إعداد كوادر نسائية متميزة في مجال العمل البرلماني، وإزالة الحواجز الثقافية بين الرجل والمرأة، ناهيك عن مواجهة المعتقدات الدينية الشائعة لدى التيارات الدينية المتطرفة التي لا تزال ترفض تمثيل النساء ومشاركتها في الانتخابات.

بل ينظر البعض إلى أن تخصيص نسبة 25% من المقاعد للمراة لا تتناسب مع ما تمثله المرأة من وزن سكاني وانتخابي (48.4% من إجمالي عدد السكان في مصر، 49% من إجمالي الهيئة الناخبة). كما أنها لا تزال أقل من النسب المعمول بها في بعض الدول، حيث بلغت 50% في دول عربية كالإمارات وفلسطين.

ومن وجهة نظر الكثيرين فإن تخصيص مقاعد مضمونة مسبقًا للنساء يظل أمرًا ضروريًّا لعدة اعتبارات، أهمها ما يلي:

1- على الرغم من أن مجلس النواب الحالي يتضمن أعلى نسبة تمثيل للمرأة في تاريخ الحياة النيابية المصرية بإجمالي عدد 87 مقعدًا (73 بالانتخاب، 14 بالتعيين) بنسبة 14,9% من إجمالي عدد مقاعد المجلس؛ إلا أن زيادة نسبة تمثيل المرأة إلى 25% قد يساعد في دعم العمل على تغيير التنشئة الاجتماعية، وتعزيز مكانة المرأة بإنصافها في قوانين الأحوال الشخصية، والعمل على تهيئة بيئة حاضنة لفكرة المشاركة السياسية للمرأة من خلال تعديل التشريعات ذات الصلة، وإدماج الاتفاقيات الدولية ذات الصلة في التشريعات.

2- مساعدة الدولة للمرأة في الاستقلال اقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، ودفع المنصات الإعلامية نحو ترسيخ مفاهيم الحكم الصالح والمساواة وتكافؤ الفرص والمواطنة.

لكن رغم كل ذلك، لا يزال يقع على عاتق المرأة نفسها ضرورة اهتمامها بالشأن العام بالقدر نفسه الذي تُعنَى فيه بقضاياها، وأن تكون قادرة على إحداث تراكم نوعي في أدائها المتنوع والمتعدد.

ومما لا شك فيه أن نظام الكوتة، بجانب إجراءات أخرى مكملة، سيلعب دورًا في خلق بيئة ثقافية واجتماعية وسياسية أكثر تشجيعًا للمشاركة السياسية للمرأة.